| حكايتان ..؟! ـ د.سعيد إسماعيل على |
| د.سعيد إسماعيل على (المصريون) : بتاريخ 28 - 1 - 2009 |
| أما أولى الحكايتين ، فإن صاحبنا هذا ، فيما فهمت منه ، لا يدرى والله كم من الوقت مر عليه وهو يستمع إلى قريبته اللصيقة . كان يبدو أمامها وكأنه قد هادئ الشكل ، بارد الأعصاب ، أو قل ، كأنه تمثال من صخر ، لا تهزه انفعالات ، ولا تؤرقه هموم ، لكن الله وحده يعلم ،كم كانت أعصابه تتمزق ، وقلبه ينفطر ،ودموعه تسيل أنهارا من داخل ،وهو عندما أخذ يتأمل محاولا أن يفهم لماذا بدا هكذا أمام قريبته ، لم يجد من تفسير إلا أن المسألة تتعلق بحكمة ربانية فطر الله الإنسان عليها ، فيجد نفسه من فرط ما وقع عليه قد تبلد حسه وانعقد لسانه وتجمدت مشاعره ، حتى لا يشهد شخصه انهيارا ، كأنه البناء قد دفع به زلزال شديد إلى التداعى ، فالانهيار . قالت السيدة ، وهى تبكى بكاء شديدا ، وتلهث وكأنها تجرى أو تحمل حملا ثقيلا ، تتوقف من حين إلى آخر ، تلاحق دموعها المصاحبة لحديثها ، أنها ذات ليلة قريبة ،وبعد منتصف الليل ، فوجئت بدقات باب عنيفة ، فهرعت مذعورة لفتح الباب ، فإذا بضابط شرطة ومعه جنديان ، لا ينتظرون شيئا ، فيقتحمون المسكن الذى تقيم فيه وحدها بعد انفصالها عن زوجها ، ومعها فقط ابن لها شاب وحيد ، كان قد ذهب إلى سرير نومه يغط في عميق سبات . فإذا بالضابط يأمر السيدة أن تخلع ما قد وضعته على وجهها من نقاب على الفور ويسأل عن الابن الشاب ، ولا ينتظر أن تسأل السيدة عن الأمر ، فيواصل الاقتحام حتى يصل إلى غرفة نوم الشاب ،ويترك للجنديين المصاحبين مهمة ضربه في كل اتجاه ، وفى كل المواضع : من ركل وصفع ولَكْمِِ ، يصحب كل ذلك – من الضابط العظيم - سيل من السباب والشتم حتى لكأنه قد أتى على كل ما يمكن وما لا يمكن تصوره من شتائم وسباب أتى به كله ، فراح يعيد تكرار معظمه ،وهو سباب عادة – للمفارقة - ما يركز على " الأم "، وكأن القائم به إذ يعرف كم هى عزيزة الأم ، وكم هى غالية أثيرة حتى لتعد مثال الحب الصافى الصادق ،ونموذج الإخلاص العميق ونور الحياة لكل إنسان ، فلابد أن يحطمه ،ويدوسه بالنعال أمام الإبن ..أى ابن . وينتاب السيدة مس من الصراخ والعويل والبكاء الهستيرى سائلة : ماذا جرى ؟ ولم كل هذا ؟ وتوسلات وصلت إلى حد الانحناء لتقبيل أحذية قائد الغزوة العسكرية العظيمة أن يرحمها ويرحم ابنها الوحيد الذى تبقى بعد أن توفى أخوه الأصغر منذ سنوات قليلة فجأة وهو في الحمام . وكان قائد الغزوة يقابل كل دموع السيدة بالاستخفاف والاستهزاء ، بل ويقذف بالسيدة عرض الحائط أو في أى اتجاه حتى ولو سقطت فوق منضدة أو فوق كرسى أو على الأرض ..هكذا تعلم كيف تكون الشرطة في خدمة الشعب.. ويبدو أن القائد العظيم ، قد أدرك أن السيدة التي أمامه " أغلب من الغلب " ،وأن لا حول لها ولا قوة ،وليس لها " عزيز " ينقذها مما هى فيه أو ذو شأن يخشاه ، فبدأ قلبه يرق ويحنو ، ويبدأ في التصريح بمظاهر رقه ورحمته ، فيقول وبصوت عال لابد أن الجيران قد استيقظوا وسمعوه ،وهم متسمرون في أماكنهم وبيوتهم ،حيث علمتهم الخبرة أن الجبابرة إذا تحركوا وفعلوا ، فلا راد لما يقولون ، ولا راد لما يفعلوه . من مظاهر الرقة والحنو تصريحه أنه كان يمكن أن يأمر عسكره بنزع ثياب السيدة كلية ، وأن يتيح الفرصة للإبن أن يرى هذا الموضع أو ذاك من جسد أمه ، مما لم يعد يراه منذ أن تجاوز مرحلة الرضاعة ، بل ويصرح بأنه أيضا كان يمكن أن يأمر جنده بفعل الفاحشة مع الأم ..لكنه غفور رحيم ، فيكتفى بالشتم والسب والضرب والركل . ويفيض القائد العظيم في بيان عطفه وحنانه ، بأنه كان يمكن أن " يلفق " قضية ما للأم والشاب ، أبسطها أن يضع قطعة حشيش ، مما لابد أن يوقعهما في السجن ، لكنه رؤوف رحيم يقتصر على ما يفعل ،وبالتالى فقد دعا كلا من الأم والشاب أن يُكثرا الحمد والشكر لله الكبير أن رحمهما عبده الجبار فاقتصر على السب والشتم والضرب والإهانة ! وإذا كانت الأم والشاب قد ظلا بعض الوقت لا يعرفان الحكاية ،ولم كل هذا ، إلا أن قائد الغزوة الليلية العظيم صرح بأنه اكتشف أن صلة حب بين ابنته وبين الشاب ،وأنهما يتبادلان المكالمات الهاتفية ، معلنا بفخر مصحوب بشىء من الأسى : كيف يحدث له ، وهو ممن يراقبون مكالمات الناس الهاتفية أن يصل به الأمر إلى أن يجد شابا يتعلق بابنته ويهاتفها ظانا أنه لن يقع تحت طائلة المراقبة ! إلى من تشكو الأم ؟ وإذا كان ابنها قد أخطأ بأن " بادل " – ولم يفرض - " حبا " لفتاة ، أفليس هناك تدرج في التعامل مع مثل هذه القضية يبدأ بالتنبيه والتحذير ،ثم ما بعد ذلك خطوات ، خاصة وأن الأمر لم يتطور إلى ما بعد التهاتف ؟ إنه الحل الأمنى الذى نراه تجاه كل مشكلاتنا ، لا بحث عن الأسباب والعلل ،وإنما العقاب والتأديب ، فكأننا لسنا في وطن يحمى ولكن في سجن كبير !! أما الحكاية الثانية ، فقد حدثت لصاحبنا نفسه ... كان عائدا بالقطار من مهمة ثقافية تتعلق بالتجديد والإصلاح الفكرى في مكتبة الإسكندرية ، حيث غادر القطار محطة سيدى جابر في الرابعة والنصف من بعد عصر الثلاثاء الحادى والعشرين من يناير 2..9 ، شاعرا بقدر كبير من الرضا النفسى ، فها هو الجمع الكبير من مفكرى الأمة ومثقفيها يأخذون على عاتقهم تلك المهمة الحضارية التاريخية بتجديد فكر الأمة وإصلاحه ، على اعتبار أن ذلك هو نقطة البداية لتطوير الحياة وتجديد ثقافة الأمة وإصلاح ما اعوج في أفرادها وجماعاتها . وعندما تجاوز القطار محطة بنها ، عائدا إلى القاهرة ، إذا به يتوقف في الطريق ، فحدّث صاحبنا نفسه بأن الأمر عادى ، فكثيرا ما كانت تحدث مثل هذه التهدئة للقطارات لإصلاح هنا وتجديد هناك ، فليس الفكر وحده هو الذى يحتاج إلى تجديد وإصلاح ! ثم إذا بالدقائق تمر بعضها وراء بعضها الآخر ليتجاوز الأمر ساعة من الزمان ، هى في مثل هذه المواقف بطيئة ثقيلة وكأنها ساعات ، وطوال الوقت لا أحد يقول للناس : ماذا حدث ؟ قد يكون بينهم مفكرون وأساتذة وعلماء وأناس عاديين ، لكن الجميع يستوى في أن يجد مثل هذا " التجهيل " لتتناثر الإشاعات واحتمالات التفسير ، إلى أن جاء البشير الصادق ، بأن القطار لن يواصل رحلته ، حيث أن سائقى القطارات جميعا مضربون عن العمل ! بدأ كل راكب " يتصرف " بأن يهاتف صديقا أو أخا أو ابنا أو ، حيث كان الوقت قد تجاوز الثامنة ليلا ، ولم يقف القطار عند نقطة يمكن منها البحث عن وسيلة ، فهو في عرض الطريق ، ويخيم عليه ظلام دامس ، حتى فرغت العربة التي بها صاحبنا من الركاب ،وبقى وحده مع عدد يصل إلى أصابع اليد ممن كانوا سيواصلون إلى الصعيد . فكّر صاحبنا فيمن يمكن أن يستغيث به : ابنه ؟ لكنه يسكن بعيدا وسوف يستغرق ساعتين على الأقل . زوجته ؟ إنها مريضة ! ابنته ؟ إنها كذلك معتلة ! بل وكيف له أن ينزل من عربة القطار وهو نفسه معتل العظام ، ولم يبرأ بعد من جراحة كبيرة في عموده الفقرى ، والقطار ليس على رصيف ؟! ألم يعلم وزير النقل بالأمر ، فيفزعه وضع مئات الناس ليلا معتقلون داخل القطارات ؟ ألم يعلم وزير الداخلية ، الذى يعلم متى وأين تدب النملة في مصر ، فيرسل المدرعات والسيارات المصفحة ، لو حدّث مصرى نفسه ،وهو في سرير نومه بشىء من دواعى إصلاح النظام القائم ، فيهرع ولو ببعض عسكره لينقذ هؤلاء المعتقلين في القطارات ؟ ألم يعلم محافظ القليوبية ،وكل محافظ ، توقف قطار في محافظته ، فيرسل من ينقذ هؤلاء الناس المساكين ؟ ساعتها ، تبخر كل ما كان قد سمعه صاحبنا من بحوث ودراسات عن التجديد والإصلاح ،ووضحت العلة له – عمليا – بعد أن كان يدركها نظريا : إن إسرائيل حركت آلتها العسكرية أكثر من مرة لإنقاذ " عسكرى " واحد ، لكن النظام القائم يرسل عسكره فقط ليروع الناس ويعتقلهم ويسجنهم ،ولا يهمه جند جيشه الذين دفنتهم إسرائيل أحياء في حروب سابقة ن أو مواطنين على الحدود .. تلكم هى القضية : مصدر القوة في إسرائيل ليس في مساعدات أمريكا لها ، ولا مساندة أوربا ،ولا ما تملك من قنابل ذرية ..مصدر قوتها هو المواطن الإسرائيلى : ليس هناك لدى النظام القائم في إسرائيل من هو أغلى من المواطن ، أيا كان قدره وأيا كانت مرتبته ،والعكس من ذلك تماما في مصر ، ليس لى ولا لك أى قيمة إلا بمقدار ما تؤدى من خدمة للحفاظ على النظام . فى إسرائيل : المواطن هو بطل مسرحية إسرائيل على مسرح الحياة ، وفى مصر " النظام القائم " هو البطل الرئيسى في مسرحية مصر على مسرح الحياة .. ولعلك عزيزى القارئ قد سمعت في الفترة الأخيرة كلمة حق أريد بها باطل ، يقولون فيها أن " مصلحة مصر هى خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه " ، فليت هذه هى الحقيقة ، لسعدنا بها ، ذلك أن مصلحة مصر نفسها ، كثيرا ما تجاوزها النظام القائم ،والشواهد أكثر من أن تعد وتحصى ، ولكن المصلحة المقصودة هنا على المستوى العملى هى مصلحة النظام ! فإن شئنا عزيزى القارئ ،ويا مواطن بلدى مصر أن نكون أقوياء ، فلن نكون كذلك إلا إذا أصبح المواطن في مصر هو البطل الرئيسى ..هذا هو موضع التجديد والتغيير والإصلاح الحقيقى ،وهو الخط الأحمر الحقيقى ! http://www.almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=59422&Page=1&Part=2 |
الأحد، 8 فبراير 2009
حكايتان ..؟! قيمة الإنسان عندنا!!!!!!!!!!
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق